موضوع خطبة الجمعة القادمة كن جميلا ترى الوجود جميل للدكتور مسعد الشايب الجمعة الموافقة 30 من جماد أول 1447هـ الموافقة 21 نوفمبر
أولا: العناصر:
1. حض الشريعة على الجمال والزينة ظاهريًا ومعنويًا.
2. سبعةٌ من جمال الظاهر، والباطن.
3. الخطبة الثانية: (من جمال الباطن حرمة التعدي على الجار).
ثانيا: الموضوع:
الحمد لله ربِّ العالمين، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جلّ وجهك، وعزّ جاهك، ولا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، صلاة وسلاما عليه دائمين متلازمين إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه…الخ، إلى يوم الدين، وبعد:
===========================================
(1) ((حض الشريعة على الجمال والزينة ظاهريًا ومعنويًا))
===========================================
أيها الأحبة الكرام: فيقول الحق تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31]، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ…)(رواه مسلم).
هذه الآية المباركة، وهذا الحديث النبوي الشريف يأمرنا بأخذ الزينة، والتجمل، والاهتمام بالمظهر، والشكل، ونظافة الثياب، والأبدان، والمكان، عند الذهاب للمساجد، وعند القيام للصلاة عمومًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
===
والجمال في لغتنا العربية يعني: الحسن الكثير، والجميل في أصل اللغة العربية موضوعٌ للصورة الحسية المدركة بالعين، أيا كان موضوع هذه الصورة: إنسان أو حيوان أو نبات او جماد.
ثم نقل اسم (الجميل) لتوصف به المعاني التي تدرك بالبصائر لا الأبصار، فيقال: سيرة حسنة جميلة، وخلق جميل. وقد ورد كلا الأمرين في القرآن الكريم: فكلمة (جمال) جاءت وصفًا للأنعام في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}[النحل:6]،كما وردت كلمة (الجميل) في القرآن الكريم أيضًا وصفًا للصبر، والصفح، وتسريح الزوجة، والهجر.
===
فلا يظنن أحدٌ أن أخذ الزينة والتجمل يقتصر على الظاهر وحسب، فأهم من زينة وجمال الظاهر؛ زينة وجمال الباطن، ومما يدل على ذلك، أن الشريعة الإسلامية جمعت بين الطهارة المعنوية (طهارة وجمال الباطن) والحسية (طهارة وجمال الظاهر) في آية واحدة، وبينت أن ذلك مما يستجلب محبة الله (عزّ وجلّ)، فقال سبحانه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222]، كذلك جاءت السنة النبوية، وجمعت بينهما في حديث واحد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ طِيبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ…)(رواه الترمذي).
===
ومما يدل على ذلك أيضًا أن الشريعة الإسلامية ربطت بعضَ الطاعات والعبادات التي تطهر الإنسان طهارةً معنويةً باطنية بأمور النظافة والطهارة الحسية، وجُعلت تلك الطهارة والنظافة الحسية من شروط صحتها وقبولها عند الحق تبارك وتعالى.
===
فالصلاة مثلا يقول الحق تبارك وتعالى في شأنها وطهارتها للإنسان طهارة معنوية باطنية: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}[العنكبوت:45]، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) في شأنها: (تَحْتَرِقُونَ، تَحْتَرِقُونَ (أي: ترتكبون ما يسبب إحراقكم في نار جهنم من الذنوب والمعاصي)، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَسْتَيْقِظُونَ)(المعجم الأوسط والصغير).
هذه الصلاة ذات الطهارة الباطنية المعنوية أُمرنا بالوضوء عندها، والوضوء فيه نظافةٌ للوجه، والعينين، والأنف، والفم، والأذنين والشعر، والذراعين، والرجلين، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[المائدة:6]، وقال (صلى الله عليه وسلم): (لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)(متفق عليه).
===
كذلك قراءة القرآن الكريم فيها طهارة باطنية معنوية وقد أُمرنا أيضًا بالوضوء لمس المصحف وحمله، ولقراءة القرآن الكريم، فقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة:77ـ79]، وكتب صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وأهل اليمن: (أَنْ لاَ يَمَسَّ الْقُرَآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ)(موطأ مالك)، فهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية اهتمت بجمال ونظافة وطهارة الباطن، كما اهتمت بجمال، وطهارة، ونظافة الظاهر، فقد ربطت بين الأمرين، وكلا الأمرين مطلوبٌ معًا، فمن كان جميل ونظيف الظاهر فليشكر الله على ذلك بجمال ونظافة الباطن، ومن لم يكن جميل الظاهر، فلا يجمع بين قبح الظاهر، والباطن. فمن أمثلة جمال الظاهر في الشريعة الإسلامية:
===========================================
(2) ((سبعةٌ من جمال الظاهر، والباطن))
===========================================
1ـ الأمر بالغسل بالغسل وجوبًا، عقب الجماع، وعقب إنزال المني، وبعد انقطاع دم الحيض والنفاس، لإباحة الصلاة وقراءة القرآن، كما في آية المائدة المتقدمة، وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا}[النساء:43]، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) للمرأة التي سألته عن كيفية الغسل من الحيض: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِهَا). قالت: كيف أتطهر؟. قال: (تَطَهَّرِي بِهَا). قالت: كيف؟، قال: (سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي). فاجتبذتها السيدة عائشة (رضي الله عنها)، فقالت لها: تتبعي بها أثر الدم. (متفق عليه)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)(رواه مسلم).
==========
2ـ الأمر باتخاذ الثياب الجميلة، النظيفة الطاهرة للجمع، ويقاس عليها بقية الصلوات والمحافل، فعن السيدة عائشة (رضي الله عنها)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار (بردة مخططة يلبسها الأعراب كأنها لون النمر لما فيها من السواد والبياض)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ)(رواه ابن ماجه)، وعن عبد الله مولى أسماء ذات النطاقين (رضي الله عنها)، قال: أخرجت إلي أسماء جبة من طيالسة (من الكساء الغليظ) عليها لبنة (البطانة) شبر من ديباج (الحرير الرقيق)، وإن فرجيها مكفوفان به، فقالت: (هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، كَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوُفُودِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ)(الأدب المفرد)، وفي دلالة على جواز ترقع الثوب بالحرير ما لم يزد على أربعة أصابع.
==========
3ـ الأمر بنظافة الشعر وإكرامه، وذلك بدهنه بشيء من الزيت، وتدليكه، وتسريحه، قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ)(رواه أبو داود)، وعن السيدة عائشة (رضي الله عنها): (كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ)(رواه البخاري).
==========
4ـ الأمر بنظافة الفم والأسنان، فقد قال (صلى الله عليه وسلم): (تَسَوَّكُوا؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ (المتقدمة) فَمِي)(رواه ابن ماجه)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (مَا لِي أَرَاكُمْ تَأْتُونِي قُلْحًا، اسْتَاكُوا، لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الْوُضُوءَ)(رواه أحمد).
==========
5ـ جمال القلب بالرأفة والرحمة، والخوف والوجل من الله…وهكذا، مع سلامته من الكبر، والاستطالة على الخلق، والحقد والحسد والشحناء، والبغضاء… وهكذا، فعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي، وَقَطَعَ نَهَارَهُ فِي ذِكْرِي، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالْأَرْمَلَةَ وَرَحِمَ الْمُصَابَ، ذَلِكَ نُورُهُ كَنُورِ الشَّمْسِ أَكَلَؤُهُ بِعِزَّتِي، وَأَسْتَحْفِظُهُ مَلَائِكَتِي أَجْعَلُ لَهُ فِي الظُّلْمَةِ نُورًا وَفِي الْجَهَالَةِ حِلْمًا وَمَثَلُهُ فِي خَلْقِي كَمَثَلِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْجَنَّةِ)(مسند البزار)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ). فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)(رواه مسلم)، (بطر الحق) دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا. (غمط الناس) احتقارهم وازدراؤهم، وقال صلى الله عليه وسلم: (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)(رواه الترمذي)، وعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما)، أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟. فقال (صلى الله عليه وسلم): (كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ) أي: في أقواله وأخباره، ووعوده، ونصحه وإرشاده…الخ. قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟. قال: (هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ)(رواه ابن ماجه).
==========
6ـ جمال اللسان بذكر الله، وقول الحق، والنطق بالصدق…وهكذا، مع حفظه عما حرم الحق تبارك وتعالى النطق به؛ من الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وترديد الإشاعات والأراجيف…الخ، أو هو كما قال الإمام ابن القيم: استواء اللّسان على الأقوال كاستواء السّنبلة على ساقها، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[الأحزاب:70]، وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)(متفق عليه)، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان سيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه)، وقال له: (تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا). قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟. قَالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟)(رواه الترمذي وابن ماجه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ)(موطأ مالك).
===========
7ـ جمال العقل والفكر، بالموازنة بين الأمور، والتفكر في ملكوت السموات والأرض للوصول إلى الإله الحق، وتبين الخير من الشر، والحلال من الحرام، وتمييز الصالح من الفاسد، والنافع من الضار، والأخذ بالحلال، والصالح، والنافع، وترك الحرام، والفاسد، والضار، وخصوصًا الأفكار الإلحادية اللادينية، والدينية المتطرفة، فقد قال الحق سبحانه وتعالى مخاطبًا نبينا صلى الله عليه وسلم: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا*أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}[الفرقان:44،43]، فالاستماع والعقل مظنة الاستجابة لدعوة الرسل إلى التوحيد، وهؤلاء الكفرة والمشركين أكثرهم ليس لديه استماعٌ جيد، ولا عقلٌ يعي به؛ ومِنْ ثَمَّ، فقد سُدت عليهم منافذ الاستجابة والإيمان، فكانوا كالأنعام؛ بل هم أضل سبيلًا منها.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ*وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}[الأنفال:23،22]، فبالعقل أيضًا يتمايز البشر عن بعضهم البعض، فليس العاقلُ كالأحمقِ، وليس اللبيبُ كالسفيه، والأخرق، وقال أيضًا: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج:46]، وقال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ*فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}[الملك:11،10].
عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون…………
===========================================
(الخطبة الثانية)
((من جمال الباطن حرمة التعدي على الجار))
===========================================
الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
===
أيها الأحبة الكرام: عشنا مع حض الشريعة الإسلامية على جمال وطهارة الباطن مع جمال وطهارة الظاهر، ورأينا نماذج للأمرين في شريعتنا الإسلامية الغراء، بقي لنا في تلك الجمعة المباركة، أن نعيش مع نموذج أخر من جمال الباطن ألا وهو حرمة التعدي على الجار، فأقول، وبالله التوفيق:
==========
حذرت الشريعة من إيذاء الجار بأي نوعٍ من أنواع الإيذاء حسيًا كان أم معنويًا: فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)(متفق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ). قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائقَهُ)(متفق عليه)، (بوائقه) جمع بائقة وهي الظلم والشر والشيء المهلك، فحفظ حق الجار من كمال الإيمان، والإضرار به من الكبائر، إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار بالقول والفعل.
==========
وأوضحت الشريعة أن التعدي على حرمة الجار تزداد عقوبته، ويعظم جرمه، فعن المقداد بن الأسود (رضي الله عنه)، سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه عن الزنا؟ قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فقال: (لِأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ). وسألهم عن السرقة؟ قالوا: حرام، حرمها الله عز وجل ورسوله، فقال: (لِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ عَشَرَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ)(المعجم الكبير).
==========
وبينت الشريعة: أن إيذاء الجيران يتسبب في ضياع ثواب الطاعات والعبادات، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها؟. فقال: رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ). وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار ولا تؤذي أحدا؟. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)(شعب الإيمان)، (الأثوار) جمع ثور وهو القطعة من الأقط (اللبن المجفف).
==========
إن مراعاة حقوق الجيران وتطبيقها، والأخذ بها، فيه شهادةٌ بالخيرية والإحسان والإيمان لمن قام بذلك، فعن أبي شريح الخزاعي (رضي الله عنه)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ…)(رواه مسلم)، وعن عمرو بن الحمق (رضي الله عنه)، قال: قال رسول (الله صلى الله عليه وسلم): (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَسَلَهُ). قيل: وما عسله؟ قال: (يُحَبِّبُهُ إِلَى جِيرَانِهِ)(مكارم الأخلاق للخرائطي)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)(رواه الترمذي).
==========
كما أن مراعاة حقوق الجيران وتطبيقها، والأخذ بها، فيه نجاةٌ من لعنة الله (عزّ وجلّ)، ولعنة الناس ودعائهم عليه، فعن أبي جحيفة (رضي الله عنه) قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشكو جاره، فقال: (اطْرَحْ مَتَاعَكَ عَلَى الطَّرِيقِ). فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من الناس. قال: (وَمَا لَقِيتَ مِنْهُمْ؟). قال: يلعنوني. قال: (قَدْ لَعَنَكَ اللهُ قَبْلَ النَّاسِ). قال: فإني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال له: (ارْفَعْ مَتَاعَكَ فَقَدْ كُفِيتَ)(المعجم الكبير للطبراني).
===========================================
فاللهمّ أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ علمنا من لدنك علمًا نصير به خاشعين، وشفّع فينا سيّد الأنبياء والمرسلين، واكتبنا من الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين ولا من المحرومين، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النّعيم اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.
اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.
كتبها الشيخ الدكتور مسعد أحمد سعد الشايب


No comment